ابن قيم الجوزية

247

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الدنيا . فهو كفارة له . ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه عليه فهو إلى اللّه . إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه . فبايعناه على ذلك » . قالوا : وقد قال صلى اللّه عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى - « ابن آدم ، لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لقيتك بقرابها مغفرة » وقال صلى اللّه عليه وسلم « من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة » وقال : « من كان آخر كلامه : لا إله إلا اللّه . دخل الجنة » وقال : « إن اللّه حرم على النار من قال : لا إله إلا اللّه ، يبتغي بذلك وجه اللّه » وفي حديث الشفاعة : « أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان » وفيه يقول اللّه تعالى « وعزتي وجلالي ، لأخرجنّ من النار من قال لا إله إلا اللّه » وأضعاف هذه النصوص كثير . تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد . قالوا : وأما هذه الآية التي في النساء : فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ( 14 ) [ النّساء : 14 ] وقوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [ الجنّ : 23 ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ( 10 ) [ النّساء : 10 ] وقوله صلى اللّه عليه وسلم « من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجّأ بها خالدا مخلدا في نار جهنم » ونظائره كثيرة . وقد اختلف الناس في هذه النصوص على طرق : أحدها : القول بظاهرها ، وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار . وهو قول الخوارج والمعتزلة . ثم اختلفوا . فقالت الخوارج : هم كفار . لأنه لا يخلد في النار إلا كافر . وقالت المعتزلة : ليسوا بكفار . بل فساق ، مخلدون في النار . هذا كله إذا لم يتوبوا . وقالت فرقة : بل هذا الوعيد في حق المستحلّ لها . لأنه كافر . وأما من فعلها معتقدا تحريمها : فلا يلحقه هذا الوعيد - وعيد الخلود - وإن لحقه وعيد الدخول . وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول . وقال : لو استحلّ ذلك ولم يفعله كان كافرا . والنبي صلى اللّه عليه وسلم إنما قال : من فعل كذا وكذا . وقالت فرقة ثالثة : الاستدلال بهذه النصوص مبني على ثبوت العموم . وليس في اللغة ألفاظ عامة . ومن ههنا أنكر العموم من أنكره . وقصدهم تعطيل هذه الأدلة عن استدلال المعتزلة والخوارج بها ، لكن ذلك يستلزم تعطيل الشرع جملة . بل تعطيل عامة الأخبار . فهؤلاء ردوا باطلا بأبطل منه ، وبدعة بأقبح منها . وكانوا كمن رام أن يبني قصرا فهدم مصرا . وقالت فرقة رابعة : في الكلام إضمار . قالوا : والإضمار في كلامهم كثير معروف . ثم اختلفوا في هذا المضمر . فقالت طائفة : بإضمار الشرط . والتقدير : فجزاؤه كذا ، إن جازاه ، أو إن شاء . وقالت فرقة خامسة : بإضمار الاستثناء . والتقدير : فجزاؤه كذا إلا أن يعفو . وهذه دعوى لا دليل في الكلام عليها البتة . ولكن إثباتها بأمر خارج عن اللفظ .